جنبلاط يقارن "الإطار" بـ17 أيار... وهذا ما اعتبره أخطر
قدّم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط مذكرة إلى المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز، خلال الجلسة الاستثنائية لهيئته العامة التي عُقدت نهار الثلاثاء في 7 تموز، تناول فيها ما وصفه بالمخاطر التي ينطوي عليها "اتفاق الإطار" الموقّع بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة.
واعتبر جنبلاط، في مذكرته، أن الاتفاق يكشف عن تحول خطير في مقاربة الصراع اللبناني ـ الإسرائيلي، لأنه لا ينطلق، بحسب قراءته، من أولوية إنهاء الوجود الإسرائيلي والاعتداءات، بل يعيد تعريف سبب النزاع على أنه مرتبط بوجود سلاح غير نظامي داخل لبنان، وفي مقدمته سلاح حزب الله.
ورأى أن الاتفاق ينقل مركز المشكلة من إسرائيل إلى الداخل اللبناني، ويجعل انسحابها من الأراضي اللبنانية مشروطًا بما تعتبره هي والولايات المتحدة نجاحًا لبنانيًا في نزع السلاح وتفكيك البنى العسكرية.
وأشار جنبلاط إلى أنه، بعد الاطلاع على بنود الاتفاق الـ14، فإن أخطر ما فيه أنه لا يفرض على إسرائيل التزامًا فوريًا وواضحًا بالانسحاب من الأراضي اللبنانية، بل يتحدث عن "إعادة انتشار تدريجية" مرتبطة بالتحقق من تنفيذ لبنان التزاماته.
واعتبر أن هذا الأمر يعني عمليًا تحويل الوجود الإسرائيلي من خرق للقانون الدولي، ولاتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، وللقرار الأممي 1701، ولاتفاق الطائف، إلى ورقة ضغط مشروطة، تتيح لإسرائيل البقاء في الأراضي اللبنانية بذريعة أن لبنان لم ينجز بعد نزع سلاح الجماعات المسلحة، أو لم يثبت قدرته على احتكار القوة.
ولفت إلى أن الاتفاق يمنح الولايات المتحدة دورًا يتجاوز الوساطة إلى الوصاية التنفيذية، من خلال التحقق وتنسيق الآليات العسكرية وربط المساعدات العسكرية والاقتصادية للبنان بشروط سياسية وأمنية، معتبرًا أن إعادة الإعمار تصبح، في هذا الإطار، مشروطة بمسار أمني داخلي يحوّل حاجة لبنان إلى النهوض الاقتصادي إلى أداة ضغط على قراره السيادي.
وتوقف جنبلاط عند البند الـ13 المتعلق بوقف الأعمال العدائية أو "المعاكسة" في المحافل السياسية والقانونية الدولية، معتبرًا أنه من أخطر البنود، لأنه قد يُستخدم لتقييد حق لبنان في تقديم الشكاوى ضد إسرائيل، أو المطالبة بالتعويضات، أو ملاحقة الانتهاكات أمام الأمم المتحدة والمحافل الدولية.
ورأى أن الاتفاق، بدل أن يحفظ للبنان حقه القانوني، يفتح الباب أمام تفسير إسرائيلي واسع يعتبر أي تحرك لبناني ضد الاعتداءات عملًا معاديًا أو مخالفًا لروح الاتفاق.
وحذّر من خطورة الحديث عن مناطق نموذجية أو تجريبية، كما ورد في البند الثالث، معتبرًا أن ذلك يعني عمليًا تقطيع الجنوب إلى مراحل أمنية خاضعة للتحقق، وربط عودة السكان وإعادة الإعمار بترتيبات ميدانية تقررها آليات مشتركة لا يملك لبنان وحده السيطرة عليها.
وأضاف أن هذه الخطورة تزداد مع الحديث عن إنشاء إسرائيل بوابات عبور أو نقاط تحكم ميدانية، بما يكرّس واقعًا أمنيًا جديدًا على الأرض، ويحوّل الانسحاب من حق لبناني كامل تكفله قرارات الأمم المتحدة واتفاقية الهدنة إلى عملية مشروطة ومجزأة ومفتوحة زمنيًا.
وفي مقارنته مع اتفاقية الهدنة اللبنانية ـ الإسرائيلية لعام 1949، رأى جنبلاط أنها، رغم قدمها، تبدو أكثر حماية للموقع اللبناني من "اتفاق الإطار" الحالي، لأنها انطلقت من مبدأ وقف الأعمال العسكرية بين القوات النظامية، واحترام خط الهدنة الذي يتبع الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين، ومنع أي عمل عدائي أو عبور عسكري.
وأشار إلى أن اتفاقية الهدنة نصت على لجنة هدنة مشتركة برئاسة الأمم المتحدة، لا برعاية أميركية منفردة، ما أعطاها طابعًا دوليًا واضحًا، كما شددت على أن أحكامها لا تمس حقوق أي من الطرفين أو مطالبه أو مواقفه في التسوية النهائية.
واعتبر أنه لو جرى الاستناد بوضوح إلى اتفاقية الهدنة، لكان لبنان تمسك بإطار قانوني يحظر العدوان، ويؤكد الحدود الدولية غير المذكورة في اتفاق الإطار، ويضع الخروقات تحت رقابة الأمم المتحدة، ويحفظ حقوقه بدل إدخالها في تفاوض سياسي ـ أمني مفتوح، ويلزم إسرائيل بالانسحاب غير المشروط، فيما لم يأت اتفاق الإطار على ذكر الانسحاب، بل تحدث عن إعادة تموضع القوات الإسرائيلية.
أما في المقارنة مع اتفاق 17 أيار 1983، فرأى جنبلاط أن "اتفاق الإطار" الحالي لا يقل خطورة عنه، بل قد يكون أخطر في بعض جوانبه، موضحًا أن اتفاق 17 أيار نص صراحة على إنهاء حالة الحرب وعلى انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان وفق ملحق محدد، لكنه تضمن ترتيبات أمنية وتطبيعية وقيودًا على علاقات لبنان العربية، ما جعله يُعتبر اتفاقًا يمس السيادة اللبنانية ويقيد موقع لبنان الإقليمي.
واعتبر أن الاتفاق الإطاري الحالي يتجنب أحيانًا اللغة المباشرة للتطبيع، لكنه يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك عبر إعادة تشكيل الداخل اللبناني نفسه، إذ لا يكتفي بترتيبات أمنية حدودية، بل يطلب تفكيك بنية عسكرية وسياسية داخل لبنان، ويربط المساعدات وإعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي بنتائج هذا المسار.
وشدد على أن الاتفاق يصبح بذلك تدخلًا في بنية الدولة اللبنانية وتوازناتها الداخلية، لا مجرد اتفاق أمني مع إسرائيل، معتبرًا أن اتفاق 17 أيار تضمّن التزامات متبادلة نسبيًا، وإن كانت مختلة وخطيرة، بينما يمنح الاتفاق الإطاري الحالي إسرائيل موقع الطرف الذي يراقب وينتظر ويتحقق، فيما يتحمل لبنان عبء التنفيذ الداخلي.
وختم جنبلاط مذكرته بالتأكيد أن خطورة "اتفاق الإطار" لا تكمن فقط في بنوده، بل في الفلسفة التي يقوم عليها، لأنه لا يعالج الوجود الإسرائيلي بوصفه سببًا مركزيًا للنزاع، بل يحوله إلى نتيجة مشروطة بالوضع الداخلي اللبناني، ولا يحفظ حق لبنان في مقاومة الانتهاكات قانونيًا وسياسيًا، بل يضع قيودًا فضفاضة على تحركه الدولي.
واعتبر أن لبنان يصبح أمام معادلة خطيرة، إما الدخول في مواجهة داخلية حول السلاح قد تهدد السلم الأهلي، وإما القبول ببقاء الوجود الإسرائيلي والتهجير والاعتداءات تحت عنوان عدم اكتمال شروط التنفيذ، مشيرًا إلى أن النتيجة الأخطر، بحسب مذكرته، هي تحويل الوجود الإسرائيلي من خرق واضح للقانون الدولي إلى مسألة تفاوضية مرتبطة بالداخل اللبناني.
- شارك الخبر:
